الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

200

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بقوله : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ . وآيات القرآن : الجمل المستقلة بمعانيها المختتمة بفواصل . وقد تقدم وجه تسمية جمل القرآن بالآيات عند قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا في أوائل سورة البقرة [ 39 ] ، وفي المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . والتفصيل : التوضيح والبيان . وهو مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه ، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ في سورة الأنعام [ 55 ] . ونظيره : الفرق ، كنى به عن البيان فسمي القرآن فرقانا . وعن الفصل فسمي يوم بدر يوم الفرقان ، ومنه في ذكر ليلة القدر فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان : 4 ] . و ( ثم ) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح . و مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته ، وإيضاح التبيين لقوة علمه . والخبير : العالم بخفايا الأشياء ، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز ، فالحكيم مقابل ل أُحْكِمَتْ ، والخبير مقابل ل فُصِّلَتْ . وهما وإن كانا متعلّق العلم ومتعلّق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم ، إلا أنه روعي في المقابلة الفعل الذي هو أثر إحدى الصفتين أشدّ تبادرا فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة . [ 2 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 2 ] أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ( 2 ) ( أن ) تفسيرية لما في معنى أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [ هود : 1 ] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل : أوحى إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا اللّه ، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير اللّه وإيجاب عبادة اللّه هو أصل الدين ، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت للّه تعالى بالدليل ، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل ، ولذلك تكرر الأمر بالتوحيد والاستدلال عليه في القرآن ، وأن أول آية نزلت كان فيها الأمر بملابسة اسم اللّه لأول قراءة القرآن في قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] .